العودة إلى المقالات والأبحاث

الطفل في دولة الإمارات: منظومة الحقوق والرعاية والحماية تصنع المستقبل

أطفال إماراتيون يقرؤون معًا في مكتبة

مقدمة: الطفولة أساس بناء الإنسان والمجتمع

تحتل الطفولة مكانة محورية في مسيرة التنمية بدولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان وتتأسس خلالها قدراته المعرفية والاجتماعية والنفسية. فالاهتمام بالطفل لا يقتصر على توفير الرعاية الصحية والتعليمية، بل يمتد إلى ضمان حقوقه الإنسانية وصون كرامته وحمايته من مختلف أشكال الإساءة والاستغلال، وتهيئة البيئة التي تمكنه من اكتشاف قدراته والمشاركة الإيجابية في المجتمع. وقد تبنت دولة الإمارات نهجاً يقوم على التكامل بين التشريعات الوطنية والسياسات الحكومية والمؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية، بما يعكس إدراكاً بأن حماية الطفولة مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في الأجيال الناشئة استثمار طويل الأمد في أمن المجتمع واستقراره وازدهاره.

أولاً: الإطار التشريعي والحقوقي لحماية الطفل

يمثل القانون الاتحادي رقم (3)لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل، المعروف باسم قانون «وديمة» ،أحد أهم المرتكزات القانونية لحماية الطفولة في دولة الإمارات. ويشمل مفهوم الطفل في القانون كل إنسان ولد حياً ولم يتم الثامنة عشرة من عمره. ويقرر القانون حقوقاً أساسية، من بينها الحق في الحياة والبقاء والنماء، والحفاظ على الهوية، والرعاية الأسرية والصحية والاجتماعية، والتعليم، والحماية من الإهمال والعنف والاستغلال والتمييز. كما صدرت اللائحة التنفيذية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (52)لسنة، 2018 لتحديد إجراءات التطبيق وتنظيم أدوار الجهات المعنية. وتكتسب هذه المنظومة أهمية إضافية في ضوء انضمام الإمارات إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل عام. 1997 ولا تكمن أهمية التشريع في النصوص وحدها، بل في قدرته على حماية الطفل فعلياً وتوفير آليات واضحة للتدخل والمساءلة.

ثانياً: حماية الطفل من الإساءة والإهمال والاستغلال

تعد الحماية من العنف والإهمال إحدى الركائز الأساسية لمنظومة حقوق الطفل في الإمارات. وقد حدد قانون «وديمة» صوراً متعددة من المخاطر، بما يشمل الإساءة الجسدية والنفسية، والإهمال الأسري، والاستغلال الاقتصادي أو الجنسي، والحرمان من الرعاية أو التعليم. وتتولى الجهات المختصة بحماية الطفل، بالتعاون مع المؤسسات الاجتماعية والأمنية والتعليمية والصحية، التعامل مع البلاغات وتقييم مستويات الخطورة واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق القانون. وتبرز أهمية أخصائي حماية الطفل في دراسة الحالات وتقدير احتياجاتها والعمل على التدخل الوقائي أو العلاجي. ولا ينبغي أن تقتصر الحماية على التدخل بعد وقوع الإساءة؛ بل تبدأ بتوعية الأسرة وتدريب المعلمين والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين على اكتشاف مؤشرات الخطر وتوفير قنوات إبلاغ واضحة وآمنة، مع صون خصوصية الطفل وتجنب التشهير به.

ثالثاً: الرعاية الصحية والوقاية منذ الولادة

تبدأ حقوق الطفل الصحية قبل ولادته، من خلال رعاية الأم أثناء الحمل، ثم توفير الخدمات الوقائية والعلاجية التي تضمن للمولود بداية صحية آمنة. وتؤدي وزارة الصحة ووقاية المجتمع والجهات الصحية المحلية دوراً رئيسياً في تطوير خدمات صحة الأم والطفل، بما يشمل التطعيمات والفحوص الطبية والكشف المبكر عن الأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية. وفي 29 يوليو، 2024 أعلنت الوزارة إطلاق الدليل الإرشادي الوطني لبرنامج الفحص الطبي المبكر لحديثي الولادة، بهدف توحيد إجراءات الفحص وتحسين جودة الرعاية. وتشمل مجالات الفحص بعض الأمراض الوراثية واضطرابات الغدد الصماء والأيض، وفحوص السمع وعيوب القلب الخلقية الحرجة. ولا تقتصر الرعاية على الوقاية من الأمراض العضوية، بل تشمل التغذية السليمة والنمو النفسي والعاطفي والنشاط البدني والنوم الصحي. وتستدعي التحديات المعاصرة اهتماماً أكبر بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين والتدخل المبكر عند الحاجة.

رابعاً: التعليم حق أساسي وبوابة لبناء المستقبل

يمثل التعليم أحد أهم الحقوق التي تكفلها التشريعات الإماراتية، باعتباره وسيلة لتنمية شخصية الطفل وتعزيز استقلاله وقدرته على المشاركة في المجتمع. وقد نظم المرسوم بقانون اتحادي رقم (39)لسنة 2022 بشأن التعليم الإلزامي هذا الحق، حيث نص على إلزامية التعليم للمواطن بدءاً من المرحلة الابتدائية وحتى نهاية التعليم المدرسي، ولغير المواطن حتى نهاية المرحلة الابتدائية، وفق الأحكام القانونية. كما أكد مسؤولية القائم على رعاية الطفل عن إلحاقه بالتعليم ومتابعة انتظامه. ولا ينبغي النظر إلى التعليم باعتباره نقلاً للمعرفة فقط، بل وسيلة لتنمية التفكير النقدي والإبداع والمهارات الاجتماعية والقيم الإنسانية. وتكتسب البيئة المدرسية الآمنة أهمية خاصة، وقد وضعت وزارة التربية والتعليم سياسة وطنية لحماية الطفل في المؤسسات التعليمية تحدد مسؤوليات العاملين وآليات الإبلاغ والتعامل مع الإساءة.

خامساً: الأطفال من أصحاب الهمم والحق في الدمج

تقوم العدالة الاجتماعية على تمكين جميع الأطفال من الحصول على فرص متكافئة، مع مراعاة اختلاف قدراتهم واحتياجاتهم. وترتبط حقوق الأطفال من أصحاب الهمم بالتشريعات المتعلقة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي مقدمتها القانون الاتحادي رقم (29)لسنة 2006 وتعديلاته، إلى جانب قانون «وديمة» والتشريعات التعليمية. ولا يعني الدمج مجرد إلحاق الطفل بمدرسة، بل توفير بيئة مناسبة للتعلم والمشاركة، تشمل الترتيبات التيسيرية والتقنيات المساندة والكوادر المتخصصة والخطط التعليمية الفردية عند الحاجة. ويؤدي الكشف المبكر والتدخل التأهيلي والعلاجي دوراً مهماً في دعم الأطفال وأسرهم. ومن الضروري الانتقال من الرعاية القائمة على الشفقة إلى التمكين القائم على الحقوق والكرامة والاستقلال.

سادساً: الطفولة المبكرة وبناء القدرات الإنسانية

تمثل السنوات الأولى من حياة الطفل مرحلة حاسمة في نموه المعرفي واللغوي والاجتماعي والعاطفي. وقد تأسست هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة عام 2019 لتطوير منظومة تدعم نمو الأطفال وتعزز دور الأسرة ومقدمي الرعاية. وتتضمن استراتيجية قطاع تنمية الطفولة المبكرة في أبوظبي حتى عام 2035 مجالات الرعاية والتعليم المبكرين والدعم الأسري وحماية الطفل والصحة والتغذية. وتعكس هذه الاستراتيجية فهماً بأن جودة حياة الطفل لا ترتبط بمؤسسة واحدة، بل بعوامل مترابطة تبدأ بصحة الأم والأسرة وتمتد إلى الحضانة والمدرسة والمجتمع. وتبرز أهمية التربية الإيجابية من خلال الحوار والاحترام والتشجيع والابتعاد عن العنف والإذلال والمقارنات المستمرة.

سابعاً: السلامة الرقمية وحماية الطفل في الفضاء الإللكتروني

أصبحت البيئة الرقمية جزءاً من حياة الأطفال، بما توفره من فرص للتعلم والتواصل، لكنها تحمل مخاطر تتعلق بالخصوصية والتنمر الإللكتروني والاستغلال والمحتوى الضار. وفي هذا السياق صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم (26)لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل، ليعزز الإطار القانوني لحماية الأطفال عند استخدام المنصات والخدمات الرقمية. ويتصل هذا المجال بمسؤوليات المنصات وحماية البيانات الشخصية والحد من المحتوى غير الملائم وتوفير وسائل الإبلاغ والرقابة الأبوية وفق الضوابط القانونية. غير أن التشريع وحده لا يكفي؛ فالتربية الرقمية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة ومقدمي الخدمات التقنية. والهدف ليس حرمان الطفل من التكنولوجيا، بل تمكينه من استخدامها بصورة آمنة ومسؤولة.

ثامناً: تنمية المواهب والإبداع والمشاركة المجتمعية

لا تكتمل منظومة حقوق الطفل بحمايته من المخاطر، بل ينبغي أن تشمل تمكينه من اكتشاف مواهبه وتنمية شخصيته والمشاركة في الأنشطة العلمية والثقافية والفنية والرياضية. وتؤدي المؤسسات التعليمية والثقافية ومراكز الابتكار والأنشطة المجتمعية أدواراً في توفير فرص التعبير عن القدرات والاهتمامات. ولا ينبغي حصر الموهبة في التفوق الأكاديمي؛ فقد يتميز الطفل في الفنون أو الرياضة أو القيادة أو التفكير الإبداعي أو المهارات التقنية. ومن المهم إتاحة فرص متكافئة لجميع الأطفال، ومراعاة ظروفهم واحتياجاتهم. كما أن الاستماع إلى آراء الأطفال في القضايا التي تمس حياتهم، بما يتناسب مع أعمارهم ونضجهم، يعزز ثقافة المشاركة والمسؤولية.

تاسعاً: التكامل المؤسسي والمسؤولية المجتمعية

تتسم منظومة حماية الطفل في الإمارات بتعدد الجهات الاتحادية والمحلية المسؤولة عن الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والحماية. وتؤدي وزارة تمكين المجتمع والجهات الاجتماعية المختصة أدواراً في دعم الأسرة، بينما تتولى الجهات الصحية مسؤوليات الوقاية والرعاية، وتعمل وزارة التربية والتعليم والجهات التعليمية على تنظيم التعليم والحماية المدرسية. كما يؤدي المجلس الأعلى للأمومة والطفولة دوراً في دعم السياسات والمبادرات المتعلقة بحقوق الأطفال. وتبرز أهمية التكامل المؤسسي عندما تتداخل احتياجات الطفل الصحية والتعليمية والاجتماعية، فتصبح سرعة الإحالة ووضوح المسؤوليات وحماية المعلومات واستمرارية المتابعة عناصر أساسية لنجاح التدخل. وتبقى الأسرة والمجتمع شريكين رئيسيين في الوقاية والإبلاغ المسؤول.

عاشراً: أولويات التطوير ورؤية للمستقبل

رغم التطور الذي شهدته الإمارات في تشريعات الطفولة ومؤسساتها، فإن حماية حقوق الطفل تتطلب تطويراً مستمراً يستجيب للتحولات الاجتماعية والتكنولوجية. ومن الأولويات تعزيز التوعية القانونية للأسر، وتوسيع برامج التربية الإيجابية، وتطوير خدمات الصحة النفسية، ودعم الكشف المبكر عن الاضطرابات النمائية وصعوبات التعلم، وتوسيع برامج السلامة الرقمية، وتدريب العاملين على اكتشاف مؤشرات الإساءة. كما تبرز الحاجة إلى مؤشرات وطنية منشورة دورياً عن صحة الأطفال وتعليمهم وحمايتهم ومشاركتهم، مع حماية بياناتهم. ولا ينبغي قياس النجاح بعدد المبادرات أو التشريعات فقط، بل بأثرها الحقيقي في حياة الأطفال والأسر.

خاتمة: حماية الطفل مسؤولية وصناعة المستقبل رسالة

إن ما حققته دولة الإمارات في مجال حقوق الطفل يعكس رؤية تنموية تعتبر الإنسان أساس التقدم، والطفولة نقطة البداية في بناء مجتمع مستقر ومتماسك. وقد أسهمت التشريعات الوطنية، وفي مقدمتها قانون «وديمة»، والسياسات الصحية والتعليمية والاجتماعية في ترسيخ إطار مؤسسي لحماية الطفل وتنمية قدراته. غير أن استدامة هذه المنظومة تتطلب تحويل الحقوق القانونية إلى ممارسات يومية داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات، وأن تكون مصلحة الطفل الفضلى حاضرة في كل قرار يمس حياته. فالاستثمار الحقيقي في الطفولة يقاس بالفرص التي نتيحها للأطفال ليصبحوا أفراداً واثقين بقدراتهم وواعين بحقوقهم ومسؤولياتهم. إن حماية الطفل مسؤولية وطنية ومجتمعية مستمرة؛ فكل طفل يجد الأمان والرعاية والتعليم والفرصة العادلة اليوم يمثل طاقة إنسانية تسهم في صناعة مستقبل الإمارات غداً.

المراجع الرسمية

  1. قانون حقوق الطفل «وديمة» رقم (3) لسنة 2016
  2. اللائحة التنفيذية لقانون حقوق الطفل، قرار مجلس الوزراء (52) لسنة 2018
  3. المرسوم بقانون اتحادي (39) لسنة 2022 بشأن التعليم الإلزامي
  4. الدليل الإرشادي الوطني للفحص المبكر لحديثي الولادة، 2024
  5. السياسة الوطنية لحماية الطفل في المؤسسات التعليمية
  6. المرسوم بقانون اتحادي (26) لسنة 2025 بشأن السلامة الرقمية للطفل
  7. هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة واستراتيجية 2035

المحتوى توعوي ولا يُعدّ استشارة قانونية.