العودة إلى المقالات والأبحاث

كبار المواطنين في الإمارات: أجيال أسست الاتحاد وبنت مؤسسات التنمية

تحميل المقال الأصلي (PDF)
كبار المواطنين ينقلون خبراتهم إلى جيل جديد

لم تكن النهضة التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيام الاتحاد عام 1971 نتاج المشروعات الاقتصادية والعمرانية وحدها، بل ثمرة جهود أجيال شاركت في تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها وتطوير خدماتها وحفظ هويتها. فقد أسهم الحكام المؤسسون والمسؤولون الأوائل والمعلمون والأطباء والتجار والنساء الرائدات في تحويل الإمكانات المحدودة إلى مؤسسات وخدمات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وكبار المواطنين اليوم هم امتداد هذه التجربة؛ فكثير منهم عملوا إلى جانب المؤسسين، وعاشوا الانتقال من الحياة التقليدية إلى الدولة الحديثة، ويحملون خبرة بالتحديات التي واجهها المجتمع وطرق التعامل معها. ويتناول هذا المقال نماذج لها دور تاريخي أو مؤسسي موثق وإنجاز يمكن تتبع أثره؛ بعضها رحل وبعضها لا يزال حاضراً، ثم ينتقل إلى ما يعنيه ذلك لحقوق كبار المواطنين اليوم.

جيل التأسيس: من فكرة الاتحاد إلى بناء الدولة

منذ تولّي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم أبوظبي في السادس من أغسطس 1966، اتجهت جهوده إلى تطوير الخدمات الأساسية وتحسين حياة السكان، بالتوازي مع العمل على توحيد الإمارات.

وفي الثامن عشر من فبراير 1968 التقى الشيخ زايد بالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، واتفقا على إقامة اتحاد بين الإمارتين ودعوة بقية الإمارات إلى الانضمام. وكان هذا الاتفاق الخطوة التي انتهت بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 بمشاركة ست إمارات، ثم انضمام رأس الخيمة في العاشر من فبراير 1972.

ولم يقف إنجاز الآباء المؤسسين عند الاتفاق السياسي، بل امتد إلى بناء دولة ذات دستور ومؤسسات اتحادية واختصاصات محددة، مع الحفاظ على الإدارة المحلية لكل إمارة. ووجّه الشيخ زايد الموارد إلى التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، فانتقلت الدولة خلال عقود قليلة من خدمات محدودة الانتشار إلى منظومة مؤسسية شاملة.

الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم: القاعدة الاقتصادية والتجارية

أدّى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي منذ عام 1958، دوراً محورياً في بناء البنية الاقتصادية التي حوّلت دبي إلى مركز للتجارة والخدمات، وارتكزت رؤيته على الموانئ والمرافق العامة ووسائل النقل. ومن أبرز مشروعات عهده ميناء راشد الذي افتتح عام 1972، وميناء جبل علي الذي افتتح عام 1979.

ولم تقتصر أهمية هذين المشروعين على إنشاء مرافق بحرية، بل وفّرا قدرة أكبر على استقبال السفن ودعما حركة الاستيراد وإعادة التصدير، ثم تطورت حولهما المناطق الحرة والخدمات اللوجستية. وهذا مثال واضح على الإنجاز طويل الأجل: قرار يُتخذ في مرحلة معينة يفتح المجال لاستثمارات وفرص عمل تستمر لعقود.

أحمد خليفة السويدي: بناء الدبلوماسية الوطنية

إلى جانب الحكام المؤسسين، تولى مسؤولون إماراتيون مهام تأسيسية في السنوات الأولى للدولة، ومن أبرزهم معالي أحمد خليفة السويدي، أول وزير للخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد كانت الدولة الجديدة بحاجة إلى جهاز يمثلها في الخارج ويدير علاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية، وأسهم السويدي في بناء هذا الجهاز وترسيخ حضور الدولة السياسي في مرحلة التأسيس.

الشيخة فاطمة بنت مبارك: من المبادرات النسائية إلى العمل المؤسسي

تُعدّ سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، من أبرز الشخصيات الوطنية التي ارتبط بها تطوير العمل النسائي والأسري في الدولة. ففي عام 1973 تأسست جمعية نهضة المرأة الظبيانية، ثم تأسس الاتحاد النسائي العام في السابع والعشرين من أغسطس 1975 برئاسة سموها، ليجمع جهود الجمعيات النسائية في إطار وطني واحد يدعم التعليم والتدريب والمشاركة المجتمعية وحفظ التراث.

وتكمن أهمية هذه التجربة في تحويل دعم المرأة من مبادرات متفرقة إلى عمل مؤسسي له أهداف وبرامج. ولم تكن نتاج قيادة واحدة فقط، بل شاركت فيها نساء رائدات من مختلف الإمارات يستحق دورهن مزيداً من التوثيق، من خلال سجلات الجمعيات والشهادات الشفهية.

تريم وعبدالله عمران: الصحافة والتعليم وخدمة الاتحاد

يقدم الشقيقان تريم عمران تريم والدكتور عبدالله عمران تريم نموذجاً لتعدد الأدوار التي اضطلع بها جيل التأسيس. ففي التاسع عشر من أكتوبر 1970 صدر العدد الأول من صحيفة «الخليج» التي أسساها، فكانت من التجارب الإعلامية الوطنية التي سبقت قيام الاتحاد، وما زالت مؤسستها تعمل حتى اليوم.

وتولى تريم عمران تمثيل الدولة سفيراً في مصر ولدى جامعة الدول العربية، ثم رئاسة المجلس الوطني الاتحادي بدءاً من عام 1977. أما الدكتور عبدالله عمران فتولى وزارة العدل في أول حكومة اتحادية (1971–1972)، ثم وزارة التربية والتعليم (1972–1979) حيث أسهم في تطوير المناهج وتعليم الكبار، وعاد وزيراً للعدل بين عامي 1990 و1997.

الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: الاستثمار في التعليم والثقافة

يمثل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نموذجاً لدور القيادة في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية. ففي أكتوبر 1997 تأسست جامعة الشارقة بمبادرة من سموه، وتوسعت عبر السنوات في الهندسة والعلوم والطب والصيدلة والقانون والعلوم الإنسانية، إلى جانب البحث العلمي وخدمة المجتمع. والاستثمار في التعليم العالي لا تظهر نتائجه فوراً، لكن أثره يمتد عبر أجيال من الخريجين والباحثين.

جمعة الماجد: من العمل التجاري إلى حفظ المعرفة

يقدم رجل الأعمال جمعة الماجد نموذجاً لمساهمة القطاع الأهلي في التعليم والثقافة، إذ أسس المدارس الأهلية الخيرية عام 1983، وكلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي عام 1987، ثم مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث عام 1991، الذي يجمع الكتب والمخطوطات والوثائق ويحفظها ويتيحها للباحثين. وتكشف تجربته كيف يمكن توظيف الخبرة الاقتصادية والموارد الخاصة في إنشاء مؤسسات ذات منفعة عامة تستمر بعد أصحابها.

عوشة بنت خليفة السويدي: حفظ الذاكرة الاجتماعية بالشعر

لم تقتصر مساهمة الأجيال الرائدة على المؤسسات الحكومية والاقتصادية، بل امتدت إلى الأدب. ومن أبرز النماذج الشاعرة الراحلة عوشة بنت خليفة السويدي، الملقبة «بفتاة العرب»، إحدى أبرز شخصيات الشعر النبطي الإماراتي. وقد تناولت قصائدها موضوعات اجتماعية وإنسانية ووطنية، وأصبحت جزءاً من تراث أدبي يحفظ لغة المجتمع وقيمه، ويمكن الإفادة منه في الدراسات الأدبية واللغوية وبرامج التراث.

المعلمون والأطباء والموظفون والتجار: الإنجاز الجماعي غير المرئي

لا تكتمل صورة بناء الدولة بالشخصيات المعروفة وحدها؛ فقد شاركت أجيال من المعلمين والمعلمات والأطباء والممرضين والموظفين والمهندسين والتجار والحرفيين في تحويل الخطط إلى خدمات ملموسة. تولى المعلمون الأوائل التدريس وإدارة المدارس وتشجيع الأسر على تعليم أبنائها وبناتها، وقدّم العاملون في الصحة الخدمات الطبية في مرحلة كانت فيها المرافق محدودة، ونظّم الموظفون الأوائل السجلات والإجراءات وشغّلوا الدوائر الحكومية، بينما دعم التجار وأصحاب المهن النشاط الاقتصادي قبل الاتحاد وبعده. كما أدّت النساء أدواراً إنتاجية واجتماعية مهمة في الأسرة والحرف والتعليم.

والمؤسسات لا تعمل بالقرارات وحدها، بل بكوادر تنفذ وتدير وتحافظ على استمرارية الخدمات. ومن هنا تبرز أهمية توثيق تجارب هؤلاء المواطنين عبر سجلات المؤسسات والصور والمقابلات الشفهية، حتى تظهر مساهماتهم بصورة دقيقة.

من الاعتراف بالإنجاز إلى ضمان الحقوق

شهدت دولة الإمارات تطوراً في النظرة المؤسسية إلى كبار المواطنين، بالانتقال من التركيز على الرعاية إلى مفهوم أشمل يقوم على جودة الحياة والمشاركة والاستفادة من الخبرات. ففي أكتوبر 2018 أطلقت الحكومة السياسة الوطنية لكبار المواطنين، واعتمدت مصطلح «كبار المواطنين» بدلاً من «كبار السن». وتضمنت السياسة سبعة محاور: الرعاية الصحية، والتواصل المجتمعي والحياة النشطة، واستثمار الطاقات والمشاركة المدنية، والبنية التحتية والنقل، والاستقرار المالي، والأمن والسلامة، وجودة الحياة المستقبلية.

وفي عام 2019 صدر القانون الاتحادي رقم (9) بشأن حقوق كبار المواطنين، الذي وضع إطاراً قانونياً لحماية حقوق المواطنين الذين بلغوا الستين، بما يشمل الاستقلالية والخصوصية والرعاية والحماية من الإساءة، ثم صدرت لائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم (9) لسنة 2021. وأهمية هذا الإطار أنه يعترف بكبار المواطنين أصحاب حقوق، لا مجرد مستفيدين من الخدمات الاجتماعية.

كيف نستفيد من خبرات كبار المواطنين اليوم؟

يمكن تحويل الاعتراف بإنجازات كبار المواطنين إلى برامج عملية تربط خبراتهم باحتياجات المجتمع:

الإرشاد ونقل الخبرة: يشارك المعلم المتقاعد في برامج الإرشاد التربوي، وينقل التاجر أو الحرفي معارفه المهنية إلى الشباب.

توثيق تاريخ المؤسسات: يسهم الموظف السابق في توثيق تاريخ المؤسسة التي عمل فيها.

مشروعات التاريخ الشفهي: تجري الجامعات والمؤسسات الثقافية مقابلات موثقة مع كبار المواطنين، وتجمع الصور والمستندات المرتبطة بتجاربهم، مع مراعاة الموافقة المستنيرة والخصوصية، وإتاحة مراجعة الشهادات لأصحابها قبل نشرها.

المشاركة في قضايا الحاضر: لا تقتصر مشاركتهم على سرد الذكريات، بل تشمل الإسهام في قضايا الأسرة والتعليم والعمل والتواصل بين الأجيال.

خاتمة

تكشف مسيرة دولة الإمارات أن بناء الدولة كان عملاً تراكمياً شاركت فيه القيادة المؤسسة والأجيال الأولى من المسؤولين والعاملين وأفراد المجتمع، وتتجسد آثاره في مؤسسات ما زالت تعمل وخدمات تطورت وفرص تعليم وعمل توسعت عبر الأجيال.

غير أن إنصاف كبار المواطنين لا يقتصر على استذكار إنجازاتهم، بل يتطلب توثيق تجاربهم، وصون حقوقهم، وإتاحة الفرص أمامهم للمشاركة ونقل المعرفة. وحين نحفظ تجاربهم ونستفيد من معارفهم، فإننا لا نحفظ الماضي وحده، بل نعزز قدرة المجتمع على فهم حاضره وبناء مستقبله.

المراجع والمصادر

1. البوابة الرسمية لحكومة الإمارات – الآباء المؤسسون للاتحاد. u.ae

2. البوابة الرسمية لحكومة الإمارات – تاريخ دولة الإمارات. u.ae

3. الإمارات اليوم – «45 عاماً على افتتاح الميناء.. و40 على تأسيس المنطقة الحرة» (ميناء جبل علي)، 26 فبراير 2025. emaratalyoum.com

4. الإمارات اليوم – «بمناسبة مرور 50 عاماً على افتتاحه» (ميناء راشد)، 6 أكتوبر 2022. emaratalyoum.com

5. الاتحاد النسائي العام – الموقع الرسمي. gwu.ae

6. الإمارات اليوم – «تريم عمران.. علامة مضيئة في ذاكرة الوطن»، 6 أبريل 2026. emaratalyoum.com

7. صحيفة الخليج – «عبدالله عمران.. سيرة مشرقة وتاريخ حافل بالعطاء»، 30 يناير 2026. alkhaleej.ae

8. جامعة الشارقة – تاريخ التأسيس والتطور. sharjah.ac.ae

9. مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث – السيرة والإنجازات. almajidcenter.org

10. البوابة الرسمية لحكومة الإمارات – السياسة الوطنية لكبار المواطنين. u.ae

11. القانون الاتحادي رقم (9) لسنة 2019 بشأن حقوق كبار المواطنين. uaelegislation.gov.ae

12. قرار مجلس الوزراء رقم (9) لسنة 2021 بشأن اللائحة التنفيذية لقانون حقوق كبار المواطنين. uaelegislation.gov.ae

إخلاء المسؤولية والحقوق القانونية

يُقدَّم هذا المقال لأغراض التوعية والتثقيف والمعرفة العامة، ولا يُعدّ استشارة قانونية أو رأياً قانونياً ملزماً، ولا يُغني عن الرجوع إلى التشريعات النافذة والمصادر الرسمية والجهات المختصة عند الحاجة. وتعبّر الآراء والتحليلات الواردة فيه عن وجهة نظر الكاتب، ولا تمثل بالضرورة موقف أي جهة رسمية.

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف © 2026. لا يجوز نسخ هذا المقال أو إعادة نشره كلياً أو جزئياً إلا بإذن كتابي مسبق، مع ذكر المصدر: salemalnuaimi.ae