العودة إلى المقالات والأبحاث

حقوق المرأة بين النص والتطبيق: الإمارات والخليج والعالم العربي في السياق الدولي

صورة تعبيرية لامرأة إماراتية تحمل كتابًا في مكتبة، ترمز إلى المعرفة والكرامة والمشاركة
صورة تعبيرية عن المرأة والمعرفة والمشاركة.

مقدمة

لم تعد حقوق المرأة في المنطقة العربية موضوعًا يُناقش بمعزل عن التشريع والاقتصاد والسياسة العامة؛ فقد صارت جزءًا من خطط التنمية الوطنية، ومن التزامات الدول أمام هيئات الأمم المتحدة، ومن المؤشرات التي تُقاس بها كفاءة الحكومات وقدرتها التنافسية. وقد شهد العقد الأخير في دول الخليج العربي على وجه الخصوص موجة إصلاحات تشريعية متسارعة، بعضها مسّ مجالات ظلت طويلًا بعيدة عن التعديل، كقوانين الأحوال الشخصية والولاية والحضانة.

يعالج هذا المقال الموضوع في أربع دوائر متتابعة: يبدأ بدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها محور الدراسة، فيعرض إطارها الدستوري والتشريعي، وقانون الأحوال الشخصية، وحقوق التعليم والعمل، والمشاركة السياسية، والحماية من العنف الأسري. ثم ينتقل إلى مقارنة موجزة مع دول الخليج الأخرى، فإلى المرأة العربية عمومًا في ضوء الاتفاقيات الدولية، ثم إلى السياق العالمي واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). ويخصص قسمًا للفجوة بين النص القانوني والتطبيق الواقعي، ويختم برؤية الكاتب ومقترحاته العملية لتضييق هذه الفجوة.

يعتمد المقال على النصوص التشريعية الرسمية في المقام الأول، ثم على وثائق الأمم المتحدة والتقارير الدولية، ويستعين بالمصادر الصحفية والقانونية المنشورة في التواريخ والتفاصيل الإجرائية. وتشير الأرقام بين معقوفين، مثل [1]، إلى قائمة المراجع في آخر المقال.

أولًا: الإطار الدستوري والتشريعي في الإمارات

يقوم وضع المرأة القانوني في الإمارات على دستور عام 1971 وعلى منظومة تشريعات اتحادية جرى تحديث كثير منها منذ عام 2019. ويجعل الدستور الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا للتشريع (المادة 7)، ويعدّ المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من دعامات المجتمع (المادة 14)، والأسرة أساسه (المادة 15)، ويوجب رعاية الطفولة والأمومة (المادة 16) [1].أما المادة 25 فتقرر مساواة الجميع أمام القانون، وتحظر التمييز بين المواطنين بسبب الأصل أو الموطن أو العقيدة الدينية أو المركز الاجتماعي، دون أن يرد الجنس صراحةً بين هذه الأسس [1].ومن هنا صارت التشريعات القطاعية هي الأداة الأساسية لترجمة مبدأ المساواة بين الجنسين إلى حقوق محددة. وقد أبدت لجنة سيداو في ملاحظاتها الختامية لعام 2022 قلقها من غياب تشريع شامل يكرّس مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، وأوصت باعتماده (الفقرتان 14 و 15) [2].

وعلى المستوى الدولي، انضمت الإمارات إلى اتفاقية سيداو عام 2004 مع تحفظات على المواد 2(و) و9 و15(2) و16 و29(1). وقد رحبت اللجنة عام 2022 بمراجعة الدولة لهذه التحفظات، لكنها لاحظت أنه لم يُسحب أي منها بعد، وعدّت التحفظين على المادتين 2 و 16 متعارضين مع موضوع الاتفاقية وغرضها (الفقرتان 10 و 11) [2].وتستند هذه التحفظات أساسًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية في شؤون الأسرة، وإلى قانون الجنسية.

أما مؤسسيًا، فتتوزع مسؤولية ملف المرأة بين جهات عدة، أبرزها الاتحاد النسائي العام الذي تأسس عام 1975 برئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، ومجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين الذي ُأ نشئ عام 2015 ويتولى مراجعة التشريعات والسياسات واقتراح مؤشرات التوازن بين الجنسين ورفعها إلى مجلس الوزراء [3]. وتتوزع الحقوق بعد ذلك على تشريعات متخصصة تتناولها الأقسام التالية: قانون الأحوال الشخصية، وقانون تنظيم علاقات العمل، وقانون الحماية من العنف الأسري. ومما يتصل بها أن لجنة سيداو رحبت بإلغاء المادة 334 من قانون العقوبات السابق، وهي المادة التي كانت تخفف العقوبة فيما يُعرف بجرائم الشرف (الفقرة 4) [2].

ثانيًا: قانون الأحوال الشخصية وتطوراته

يُعدّ قانون الأحوال الشخصية أكثر المجالات حساسية في أي نقاش عن حقوق المرأة في البلدان ذات المرجعية الإسلامية، لأنه ينظم الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والميراث، وهي مسائل تتقاطع فيها النصوص الشرعية مع الأعراف الاجتماعية والاجتهاد القضائي.

ظل القانون الاتحادي رقم 28 لسنة 2005 الإطار الحاكم لهذه المسائل نحو عقدين. ثم صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2024 بإصدار قانون الأحوال الشخصية في 1 أكتوبر 2024 [4]، ودخل حيز التنفيذ في 15 أبريل 2025، ليحل محل قانون 2005 بالكامل [5].ومن أبرز ما تضمنه:

سن الزواج واستثناؤه القضائي: جعل القانون أهلية الزواج بالعقل وبلوغ ثماني عشرة سنة ميلادية (المادة 19/1). ولا يجوز توثيق زواج من لم يبلغ هذه السن إلا بإذن المحكمة، بعد تحققها من وجود مصلحة في الزواج، ومن استيفاء الضوابط والإجراءات التي يصدر بها قرار من مجلس الوزراء بناًء على اقتراح وزير العدل (المادة 19/2) [4].فالقاعدة هي سن الثامنة عشرة، والاستثناء قضائي مقيد بالمصلحة والضوابط، وليس متروكًا لإرادة الأسرة.

الاستقلال المالي للزوجين: لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، وللزوجة حرية التصرف في مالها، ولا يجوز للزوج التصرف فيه دون رضاها. ولمن أسهم منهما في تنمية مال أو بناء مسكن أن يطالب بنصيبه (المادة 51) [4].

الولاية في الزواج: إذا منع الولي، ولو كان الأب، المرأة التي في ولايته من الزواج بكفء ارتضته بمهر المثل، توّلت المحكمة تزويجها بطلبها، ويجوز للمحكمة نقل الولاية إلى ولي آخر (المادة 24) [4].

الحضانة: تنتهي الحضانة ببلوغ المحضون ثماني عشرة سنة ميلادية للذكر والأنثى (المادة 123) [4]، بعد أن كانت في القانون السابق ثلاث عشرة سنة للإناث وإحدى عشرة للذكور. كما ألغى القانون القاعدة التي كانت تنهي حضانة الأم غير المسلمة عند بلوغ الطفل خمس سنوات، وجعل الأمر لتقدير المحكمة وفق مصلحة المحضون [6].

الحماية الجزائية للأسرة: نص القانون على عقوبات بالحبس أو الغرامة على أفعال مثل الاستيلاء على أموال القاصرين، والسفر بالمحضون دون إذن، والإهمال في الرعاية والالتزامات المالية [5]. وإلى جانب هذا القانون، أصدرت الدولة إطارًا موازيًا لغير المسلمين؛ إذ أصدرت إمارة أبوظبي قانونًا للأحوال الشخصية المدنية لغير المسلمين عام 2021، ثم صدر اتحاديًا المرسوم بقانون رقم 41 لسنة 2022 في شأن الأحوال الشخصية المدني [7]. ويقوم هذا الإطار على مبادئ مدنية في الزواج والطلاق والحضانة المشتركة والميراث، ويتيح لغير المسلمين اختيار القانون الواجب التطبيق في حدود ما يقرره التشريع. وتبقى في هذا المجال مسائل يدور حولها نقاش. فقد أبدت لجنة سيداو عام 2022، قبل صدور القانون الجديد، قلقها من الولاية الذكورية في الزواج، ومن عدم تكافؤ حقوق الطلاق، ومن انتهاء حضانة الأم في سن مبكرة، وأوصت بمراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية وبسحب التحفظ على المادة 16 (الفقرتان 54 و 55) [2].وقد عالج قانون 2024 بعض هذه الملاحظات، كسن انتهاء الحضانة وتمكين المرأة من اللجوء إلى القضاء عند امتناع الولي، بينما بقيت أحكام أخرى كاشتراط الولي في عقد زواج المسلمة وأنصبة الميراث على أصلها الشرعي. ويرى فريق من الفقهاء والقانونيين أن هذه الأحكام جزء من منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات المتقابلة داخل الأسرة، كوجوب النفقة على الزوج، ولا تُقرأ معزولة عنها؛ بينما تعّدها اللجنة قاصرة عن المساواة الكاملة بالمعنى الوارد في المادة 16 من الاتفاقية. وهذا التباين هو أصل تحفظات الإمارات ومعظم الدول العربية على تلك المادة.

ثالثًا: التعليم والعمل والمشاركة الاقتصادية

يمثل التعليم أوضح مجالات التقدم في وضع المرأة الإماراتية. فالتعليم حق مكفول للجنسين ومجاني للمواطنين في مراحله العامة، وتفوق نسبة الإناث بين المواطنين الملتحقين بالتعليم العالي نسبة الذكور وفق ما تعلنه الجهات الرسمية منذ سنوات. وعلى المستوى الإقليمي، يسجل تقرير الفجوة بين الجنسين لعام 2026 بلوغ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التكافؤ في الالتحاق بالتعليم الابتدائي والعالي [27].غير أن هذا التفوق التعليمي لم ينعكس بالقدر نفسه على سوق العمل، وهي مفارقة تتكرر في معظم دول الخليج.

وعلى صعيد التشريع، مرّت حقوق المرأة العاملة بمرحلتين بارزتين:

المساواة في الأجر (2020): صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 6 لسنة 2020 في 25 أغسطس 2020، ودخل حيز التنفيذ في 25 سبتمبر 2020، معدلًا المادة 32 من قانون العمل لسنة 1980. ووسّع التعديل الالتزام القائم من المساواة في الأجر عن العمل نفسه إلى المساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية [8، 9].

قانون تنظيم علاقات العمل (2022): حل المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 محل قانون 1980، وبدأ تطبيقه في 2 فبراير 2022 على القطاع الخاص [10].ومن أبرز أحكامه المتعلقة بالمرأة:

حظر التمييز على أسس منها الجنس، وسريان أحكام تشغيل العمال على المرأة دون تمييز، والمساواة في الأجر عن العمل ذاته أو العمل ذي القيمة المتساوية (المادة 4).

حظر التحرش الجنسي والتنمر والعنف اللفظي أو الجسدي أو النفسي من صاحب العمل أو الرؤساء أو الزملاء (المادة 14/2).

إجازة أمومة مدتها ستون يومًا، منها خمسة وأربعون بأجر كامل وخمسة عشر بنصف أجر، وحظر إنهاء خدمة العاملة أو إنذارها بسبب الحمل أو الإجازة (المادة 30).

إجازة والدية مدتها خمسة أيام عمل لأي من الوالدين خلال ستة أشهر من الولادة (المادة 32).

أما في القيادة الاقتصادية، فقد ألزمت هيئة الأوراق المالية والسلع عام 2021 الشركات المساهمة العامة المدرجة في سوقي أبوظبي ودبي بتمثيل امرأة واحدة على الأقل في مجالس إداراتها. ثم أصدرت وزارة الاقتصاد القرار الوزاري رقم 137 لسنة 2024 الذي مّد هذا الشرط إلى الشركات المساهمة الخاصة، مع بدء التطبيق في يناير 2025 عند انتهاء دورة المجلس القائم [11]. وتبقى الأرقام أقل من الطموح المعلن. فبحسب تقرير لجامعة هيريوت وات ومبادرة Aurora50، كانت النساء يشغلن أقل من 11% من مقاعد مجالس إدارة الشركات المدرجة في الإمارات مطلع عام 2024، مقابل نحو 5% في دول مجلس التعاون [12].ويعني ذلك أن الحد الأدنى التشريعي، أي مقعد واحد، قد يتحول في بعض الشركات إلى سقف عملي ما لم تُبنَ قاعدة واسعة من الكفاءات النسائية المؤهلة لعضوية المجالس.

رابعًا: المشاركة السياسية والقيادية

اتخذ تمكين المرأة سياسيًا في الإمارات مسارًا تدريجيًا تقوده القيادة العليا، أكثر من كونه حصيلة حراك انتخابي أو حزبي. فقد شهدت الدولة أول انتخابات للمجلس الوطني الاتحادي عام 2006 عبر هيئات انتخابية، وفيها فازت الدكتورة أمل القبيسي بمقعد منتخب، ثم أصبحت أول امرأة ترأس المجلس عام 2015 [14].

وفي ديسمبر 2018 صدر توجيه رئاسي برفع تمثيل المرأة في المجلس إلى 50% ابتداءً من الفصل التشريعي التالي، بعد أن كانت النسبة 22.5% [15].وطُبّق القرار في انتخابات أكتوبر 2019 بالجمع بين المقاعد المنتخبة والمعينة؛ فخصصت بعض الإمارات مقاعد انتخابية للنساء، واستكملت إمارات أخرى النسبة بالتعيين [16].وفي انتخابات 2023 بلغت نسبة النساء في الهيئات الانتخابية 51% وفق اللجنة الوطنية للانتخابات [17]. ولفهم دلالة هذه النسبة، ينبغي ضبط موقع المجلس في النظام الدستوري. فهو يتألف من أربعين عضوًا، يعّين نصفهم حكام الإمارات ويُنتخب النصف الآخر عبر الهيئات الانتخابية (المادتان 68 و 69) [1، 13].ويمارس اختصاصات تشريعية ورقابية محددة:

مشروعات القوانين: تُعرض عليه مشروعات القوانين الاتحادية، بما فيها المالية، وله أن يوافق عليها أو يعدلها أو يرفضها (المادة 89).

الميزانية والحسابات: يناقش مشروع الميزانية العامة للاتحاد ومشروع الحساب الختامي (المادة 90).

المعاهدات: تُبلغه الحكومة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، ويُعرض عليه منها ما يحدده رئيس الدولة بقرار قبل التصديق (المادة 91).

الموضوعات العامة: يناقش أي موضوع عام يتعلق بشؤون الاتحاد ويرفع توصياته، وعلى مجلس الوزراء إن لم يقرها أن يُخطره بالأسباب (المادة 92).

الأسئلة: يوجه الأعضاء أسئلة إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء في شؤون اختصاصهم (المادة 93) [1].

لكن لهذه الاختصاصات حدودًا دستورية واضحة. فإذا رفض المجلس مشروع قانون، أو عّدله تعديلًا لا يقبله رئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى، جاز إعادته إليه، فإن تمسك بموقفه جاز لرئيس الاتحاد إصدار القانون بعد تصديق المجلس الأعلى (المادة 110) [1].فالمجلس شريك في المناقشة والتعديل والرقابة، لكنه لا يملك حق النقض النهائي على التشريع.

يقرأ المؤيدون هذه المسيرة بوصفها نموذجًا للتمكين السريع الذي يختصر عقودًا، ويستندون إلى أن المادة 4 من اتفاقية سيداو تجيز التدابير الخاصة المؤقتة لتسريع المساواة الفعلية. وقد رحبت لجنة سيداو نفسها بتحقيق التكافؤ في المجلس الوطني، لكنها لاحظت أن تمثيل المرأة في المناصب الوزارية والسفارات لا يزال محدودًا، وأوصت بتدابير خاصة مؤقتة في هذه المواقع وفي القضاء (الفقرتان 38 و 39) [2].ويترتب على ذلك أن قياس المشاركة السياسية بنسبة المقاعد البرلمانية وحدها لا يكفي؛ فالمؤشر الأدق يجمع بين حضور المرأة في المجلس، وحضورها في مواقع القرار التنفيذي والقضائي، وقدرتها على المنافسة الانتخابية المفتوحة.

وعلى المستوى التنفيذي، عُيّنت أول وزيرة في الحكومة الاتحادية عام 2004، وتضم الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الحين وزيرات في حقائب متنوعة. كما دخلت المرأة سلك القضاء والنيابة العامة، والسلك الدبلوماسي، والمؤسسة العسكرية منذ تأسيس مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية عام 1991.

خامسًا: الحماية من العنف الأسري

انتقلت الإمارات خلال خمس سنوات من غياب قانون خاص بالعنف الأسري إلى جيلين متتاليين من التشريع. فقبل عام 2019 كانت أفعال العنف داخل الأسرة تُعالج بنصوص قانون العقوبات العامة. ثم صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2019 في شأن الحماية من العنف الأسري، فعّرف العنف الأسري وصّنفه إلى جسدي ونفسي وجنسي واقتصادي، ومنح النيابة العامة صلاحية إصدار أوامر الحماية [18].وقد رحبت لجنة سيداو بهذا القانون، لكنها أبدت قلقها من اتساع السلطة التقديرية للقاضي في الأفعال التي لا تتجاوز حدود الولاية، ومن تقديم الوساطة على الملاحقة الجنائية، لأنها تفترض تكافؤ موقفي الطرفين (الفقرة 32) [2].

وبعد خمس سنوات، صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 13 لسنة 2024 في 10 سبتمبر 2024، ودخل حيز التنفيذ في 2 أكتوبر 2024، ليحل محل قانون 2019 ويصبح الإطار الرئيسي في هذا المجال [19، 20].ومن أبرز ما جاء به:

تعريف أوسع: يشمل العنف الأسري الفعل والقول والتهديد والامتناع متى ترتب عليه ضرر مادي أو نفسي، ويتناول أشكالًا متعددة منها الإيذاء الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي والإهمال [19].

واجب الإبلاغ: للضحية حق الإبلاغ، ويقع على كل من علم بحالة عنف أسري واجب إبلاغ السلطات المختصة [19، 34].

أوامر الحماية: تصدرها النيابة العامة من تلقاء نفسها أو بطلب الضحية أو جهة مختصة، وُيعاقب على مخالفتها [19، 32].

تشديد العقوبات: حبس وغرامات تتفاوت بحسب الجريمة وظروفها (المواد 21 إلى 25) [19].

أدوات مؤسسية: دوائر قضائية متخصصة تنظر القضايا على وجه الاستعجال، وسجل إلكتروني لحالات العنف الأسري، ودور إيواء للضحايا، وبرامج تأهيل للمعتدين، وإشراك اختصاصي حماية الطفل في القضايا التي يكون فيها الضحية طفلًا [32، 33]. ويعرض القانون الصلح الأسري على الطرفين في غير الجنايات [32].ويقرؤه المؤيدون حفاظًا على كيان الأسرة وفرصة للإصلاح، بينما يتصل التحفظ عليه بما أثارته لجنة سيداو من أن الوساطة قد تفضي إلى الإفلات من العقاب إذا لم يكن الطرفان متكافئين [2].والضمانة العملية هنا أن يبقى الصلح مشروطًا بموافقة الضحية الحرة، ومصحوبًا بمتابعة تحول دون تكرار الاعتداء.

وعلى المستوى التنفيذي، تعمل إلى جانب النيابات ومراكز الشرطة مؤسسات متخصصة في الإيواء والدعم النفسي والاجتماعي، مثل مؤسسة دبي لرعاية النساء والأطفال، إضافة إلى خطوط ساخنة لتلقي البلاغات. ويُعدّ اتساع هذه الشبكة وقربها من الضحايا عاملًا حاسمًا في تحويل النص القانوني إلى حماية فعلية.

سادسًا: التجربة الإماراتية في سياقها الخليجي

تتشارك دول مجلس التعاون الخليجي الست في سمات أساسية: مرجعية الشريعة الإسلامية في قوانين الأسرة، وتحفظات على مواد من اتفاقية سيداو، وتفوق تعليمي للنساء يقابله حضور أقل في سوق العمل، ونظم جنسية لا تساوي بين المرأة والرجل في نقل الجنسية إلى الأبناء. وفي الإمارات، أتاح تعديل عام 2017 لأبناء المواطنة التقدم للحصول على الجنسية بعد ست سنوات، لكن لجنة سيداو لاحظت أن هذا النقل ليس تلقائيًا، وأوصت بالمساواة الكاملة (الفقرتان 40 و 41) [2].وتختلف دول الخليج بعد ذلك في توقيت الإصلاحات وأدواتها، وفي دور المؤسسات المنتخبة فيها.

مقارنة موجزة بين دول مجلس التعاون الخليجي
الدولةالانضمام إلى سيداومحطات بارزة في المشاركة السياسيةتشريعات أسرية وحمائية بارزة
الإمارات2004أول امرأة منتخبة 2006؛ تمثيل 50% في المجلس الوطني منذ 2019الحماية من العنف الأسري 2019 ثم 2024؛ قانون الأحوال الشخصية 2024 (نافذ أبريل 2025)
السعودية200030 مقعدًا للنساء في مجلس الشورى منذ 2013؛ تصويت وترشح في الانتخابات البلدية 2015قيادة السيارة يونيو 2018؛ تعديلات الولاية أغسطس 2019؛ نظام الأحوال الشخصية 2022
الكويت1994حق التصويت والترشح مايو 2005؛ فوز أربع نساء بمقاعد برلمانية 2009قانون للحماية من العنف الأسري 2020
البحرين2002التصويت والترشح منذ 2002؛ أول رئيسة لمجلس النواب 2018المجلس الأعلى للمرأة 2001؛ قانون الحماية من العنف الأسري 2015؛ قانون موحد للأسرة 2017
قطر2009مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية منذ 1999قانون الأسرة 2006
عُمان2006حق الاقتراع العام في انتخابات مجلس الشورى منذ 2003قانون الأحوال الشخصية 1997

مصادر تواريخ الانضمام إلى سيداو: [21، 26]؛ وللإصلاحات السعودية: [22، 23]؛ وللكويت: [24، 25].

تبرز في المقارنة ثلاث ملاحظات. الأولى أن الإمارات سلكت طريق التشريع المتكامل والمتعاقب، فجددت قوانين العمل والعنف الأسري والأحوال الشخصية خلال خمس سنوات تقريبًا، وأضافت إطارًا مدنيًا لغير المسلمين، وهو تنوع تشريعي يعكس طبيعة مجتمع يشكل فيه المقيمون الأغلبية.

الثانية أن المملكة العربية السعودية شهدت منذ عام 2017 أسرع تحول في المنطقة من حيث حجم التغيير؛ إذ رُفع حظر قيادة المرأة للسيارة في يونيو 2018، وأُتيح للمرأة البالغة منذ أغسطس 2019 استخراج جواز السفر والسفر دون إذن ولي [23]، ثم صدر أول نظام مقنن للأحوال الشخصية في مارس 2022 وُنّفذ في يونيو من العام نفسه [22].وفي المقابل، تنتقد منظمة هيومن رايتس ووتش هذا النظام لأنه ُيبقي اشتراط موافقة الولي على زواج المرأة أيًا كان عمرها، ويقّيد حقها في الطلاق، ويجعل الأب الولي الأصلي على الأبناء [22].

الثالثة أن الكويت والبحرين سبقتا غيرهما في الحقوق السياسية عبر مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات تشريعية؛ فقد نالت الكويتيات حق التصويت والترشح عام 2005، وفازت أربع منهن بمقاعد في مجلس الأمة عام 2009 [24].غير أن هذا المسار تأثر في مايو 2024 بحل مجلس الأمة وتعليق العمل ببعض مواد الدستور مدة لا تزيد على أربع سنوات [25].أما قطر وُعمان فقد سارتا بإيقاع أبطأ نسبيًا في تعديل قوانين الأسرة، مع توسع ملحوظ في تعليم المرأة وعملها.

وخلاصة المقارنة أن الفروق بين دول الخليج اليوم تتعلق بسرعة الإصلاح ونطاقه وأدواته أكثر من تعلقها بالمرجعية، فجميعها تحتفظ بالشريعة إطارًا لقوانين الأسرة، وتختلف في مقدار الاجتهاد الذي تمارسه داخل هذا الإطار.

سابعًا: المرأة العربية بين الاتفاقيات الدولية والتحديات المشتركة

انضمت جميع الدول العربية تقريبًا إلى اتفاقية سيداو، باستثناء السودان والصومال [26]، لكن أغلبها أبدى تحفظات تتركز على المادة 2 المتعلقة بتعديل التشريعات الوطنية، والمادة 9 الخاصة بالجنسية، والمادة 16 الخاصة بالزواج والأسرة. وُتبرر هذه التحفظات عادة بتعارض بعض الأحكام مع الشريعة الإسلامية أو مع قوانين الجنسية الوطنية. وعلى المستوى الإقليمي، يتضمن الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004 نصًا على المساواة بين الرجل والمرأة في الكرامة والحقوق والواجبات، في ظل ما يسميه التمييز الإيجابي الذي أقرته الشريعة لصالح المرأة.

وتتفاوت التجارب العربية تفاوتًا واسعًا. فتونس أصدرت مجلة الأحوال الشخصية عام 1956 وحظرت فيها تعدد الزوجات، ثم رفعت تحفظاتها الخاصة على سيداو عام 2011. والمغرب أصدر مدونة الأسرة عام 2004 التي رفعت سن الزواج وقّيدت التعدد بإذن القضاء. وأتاحت مصر عام 2004 والجزائر عام 2005 والمغرب عام 2007 نقل الجنسية من الأم إلى أبنائها. وفي عام 2017 ألغت كل من الأردن وتونس ولبنان النصوص التي كانت تعفي المغتصب من العقوبة إذا تزوج ضحيته.

ومع هذا التفاوت، تتقاسم المنطقة تحديات مشتركة يمكن إجمالها فيما يلي:

المشاركة الاقتصادية: المنطقة العربية هي الأدنى عالميًا في مشاركة المرأة في القوى العاملة. وتقدر تقديرات منظمة العمل الدولية النسبة بنحو 19.7% عام 2022، مقابل نحو 70% للرجال، فيما بلغت بطالة الشابات العربيات نحو 43% ، وهي الأعلى في العالم [29، 30].

فجوة التعليم والعمل: تفوق نسب التحاق الإناث بالتعليم العالي نسب الذكور في كثير من الدول العربية، دون أن يترجم ذلك إلى حضور مماثل في سوق العمل. وتلاحظ منظمة العمل الدولية أن الرخاء في دول الخليج يرتبط أحيانًا بانخفاض مشاركة المرأة، حين يُنظر إلى عدم حاجتها إلى العمل بوصفه قيمة اجتماعية [29].

قوانين الجنسية: لا تزال دول عربية عدة، منها دول الخليج، تقيد قدرة المرأة على نقل جنسيتها إلى أبنائها من زوج أجنبي.

النزاعات المسلحة: تتحمل النساء في مناطق النزاع والنزوح، كاليمن والسودان وسوريا وغزة، أعباء مضاعفة تتصل بالأمن والصحة والتعليم والإعالة.

ضعف البيانات: يحّد نقص الإحصاءات الدورية المصنفة حسب الجنس، خاصة في مجال العنف، من قدرة صانعي السياسات على قياس المشكلات ومتابعة أثر الإصلاحات.

ثامنًا: السياق العالمي: سيداو والمؤشرات الدولية

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في 18 ديسمبر 1979، ودخلت حيز النفاذ في 3 سبتمبر 1981 [21، 26]، وهي اليوم من أوسع معاهدات حقوق الإنسان انتشارًا. وتعّرف الاتفاقية التمييز ضد المرأة تعريفًا واسعًا يشمل كل تفرقة أو استبعاد أو تقييد على أساس الجنس يُضعف تمتع المرأة بحقوقها، وتلزم الدول باتخاذ تدابير تشريعية وغير تشريعية لإزالته، وتجيز في مادتها الرابعة التدابير الخاصة المؤقتة. وتتولى لجنة من الخبراء المستقلين مراجعة تقارير الدول وإصدار ملاحظات ختامية، كتلك التي صدرت بشأن الإمارات عام 2022 [2].

وإلى جانب سيداو، يقوم الإطار الدولي على إعلان ومنهاج عمل بيجين الصادرين عن المؤتمر العالمي الرابع للمرأة عام 1995، وعلى الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 الخاص بتحقيق المساواة بين الجنسين.

أما القياس الدولي، فأشهر أدواته مؤشر الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يقيس أربعة أبعاد: المشاركة الاقتصادية، والتحصيل التعليمي، والصحة، والتمكين السياسي. وبحسب تقرير عام 2026 الصادر في 16 سبتمبر 2026، أُغلق عالميًا 69.2% من الفجوة، ويُقدّر أن بلوغ التكافؤ الكامل يحتاج نحو 120 عامًا بالوتيرة الحالية. وسجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 62.5% وحّلت ثامنة بين المناطق، وبقي التمكين السياسي فيها الأضعف عالميًا عند 11.5% [27].ولاحظ التقرير أن المنطقة بدأت الإصلاحات القانونية متأخرة، ثم صارت الأكثر نشاطًا في الإصلاح خلال العقد الحالي، وأن القدرة على التطبيق لم تواكب بالكامل الطموح التشريعي [27].وفي تقرير عام 2025، تصّدرت الإمارات المنطقة في بُعد التمكين السياسي، محتلة المرتبة 32 عالميًا فيه [28].

وتكمل هذه الصورة مؤشرات أخرى، أبرزها مؤشر البنك الدولي «المرأة وأنشطة الأعمال والقانون» الذي يقيس النصوص القانونية المؤثرة في الحياة الاقتصادية للمرأة، ومؤشر عدم المساواة بين الجنسين الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتختلف هذه المؤشرات في منهجياتها؛ فبعضها يقيس النص القانوني، وبعضها يقيس النتائج الفعلية، ولذلك قد تحتل الدولة الواحدة مراتب متباعدة بحسب المؤشر.

والمهم في السياق العالمي أن الفجوة بين الجنسين ليست ظاهرة عربية أو إسلامية فحسب؛ فلم تحقق أي دولة التكافؤ الكامل، وتقّدر منظمة الصحة العالمية أن نحو امرأة من كل ثلاث نساء في العالم (31.6% وفق تقديرات 2023) تعرضت لعنف جسدي أو جنسي في حياتها [31].ويساعد هذا المنظور على قراءة الواقع العربي بإنصاف: فالتحدي مشترك، وإن اختلفت مواضع القصور ودرجاته من منطقة إلى أخرى.

تاسعًا: الفجوة بين النص والتطبيق

لا يكفي صدور القانون لتغيير الواقع؛ فبين لحظة النشر في الجريدة الرسمية ولحظة تمتع المرأة بالحق فعلًا مسافة تملؤها المؤسسات والثقافة والموارد. وهذه الفجوة موجودة في كل المجتمعات بدرجات متفاوتة، لكنها تتسع حين تسبق الإصلاحات التشريعية التحولات الاجتماعية. وهو ما أشار إليه تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 حين لاحظ أن القدرة على التطبيق لم تواكب الطموح التشريعي [27].

أسباب الفجوة

الأعراف والوصمة الاجتماعية: قد تمتنع المرأة عن الإبلاغ عن العنف أو المطالبة بحق قانوني خشية الإضرار بسمعة الأسرة أو بعلاقاتها، فيبقى الحق قائمًا على الورق ومعطلًا في الواقع.

ضعف الوعي القانوني: كثير من الإصلاحات حديث، ولا تعرف شريحة واسعة من النساء تفاصيله، خاصة في مجتمع متعدد اللغات والجنسيات كالمجتمع الإماراتي.

السلطة التقديرية: تمنح قوانين الأسرة القاضي مساحة تقدير في الحضانة والنفقة والضرر والإذن بالزواج دون السن؛ فيتوقف أثر النص على تأهيل القضاة وتوحيد الاجتهاد. وأوصت سيداو عام 2022 بتقييدها في قضايا العنف الأسري، قبل قانون 2024 (الفقرتان 16 و 17) [2].

الإحالة إلى اللوائح: يحيل كثير من القوانين إلى قرارات تنفيذية، كضوابط الإذن بزواج من هم دون الثامنة عشرة (المادة 19/2 من قانون الأحوال الشخصية) [4]، ويتوقف أثر النص على مضمون هذه القرارات وتطبيقها.

البنية الاقتصادية: محدودية رعاية الأطفال الميسرة، وطول ساعات العمل في القطاع الخاص، وتفضيل العمل الحكومي، كلها عوامل تحد من مشاركة المرأة رغم المساواة في النص.

نقص البيانات المنشورة: دون إحصاءات منتظمة ومتاحة للباحثين عن العنف والأجور والتمثيل القيادي، يصعب تقييم أثر القوانين أو تصحيح مسارها.

الاجتهادات والآراء المتباينة

يتوزع النقاش حول حقوق المرأة في العالم العربي على ثلاثة اتجاهات رئيسية. الاتجاه المحافظ يرى أن أحكام الأسرة في الشريعة ثابتة ومتكاملة، وأن المساواة المطلقة تتجاهل اختلاف الأدوار والتكاليف، ويحذر من استيراد نماذج لا تناسب المجتمع. والاتجاه الإصلاحي الاجتهادي ينطلق من المرجعية الإسلامية نفسها، ويعتمد على مقاصد الشريعة وتعدد المذاهب والتمييز بين الثابت والمتغير، ليصل إلى أحكام أكثر إنصافًا في مسائل كالحضانة والولاية وتقييد الطلاق والتعدد؛ وتجربتا المغرب عام 2004 والإمارات عام 2024 في قوانين الأسرة أمثلة على هذا النهج. أما الاتجاه الحقوقي الكوني، الذي تعّبر عنه لجنة سيداو ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش، فيرى في معايير الاتفاقية حدًا أدنى عالميًا لا يقبل التجزئة، ويطالب برفع التحفظات كاملة [2، 22]. ويتصل بذلك نقاش أعم حول عالمية حقوق الإنسان وخصوصية الثقافات. فأنصار الخصوصية يرون أن لكل مجتمع حقه في ترتيب الحقوق وفق قيمه، بينما يخشى أنصار العالمية أن تتحول الخصوصية إلى مبرر للتمييز. والموقف المنصف يقتضي الاعتراف بأن جزءًا من القيود لا يستند إلى نص ديني قطعي بل إلى أعراف وتفسيرات قابلة للمراجعة، وفي الوقت نفسه احترام حق المجتمعات في أن تبني مساراتها الإصلاحية من داخل مرجعياتها.

عاشرًا: رؤية الكاتب: من إصلاح النص إلى قياس الأثر

أرى أن تعزيز التطبيق وقياس الأثر يمثلان أولوية موازية لاستمرار تطوير التشريعات في الإمارات. فقد جرى خلال السنوات الماضية تحديث قوانين العمل والعنف الأسري والأحوال الشخصية، وتحقق التكافؤ العددي في المجلس الوطني الاتحادي. وإلى جانب تطوير النصوص، تبرز أسئلة: هل تعرف المرأة حقها؟ وهل تستطيع الوصول إليه دون كلفة اجتماعية باهظة؟ وهل نملك من البيانات ما يكشف لنا إن كان النص يؤدي غرضه؟

ولذلك أرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تُبنى على مبدأ بسيط: كل قانون يُصدر يُقاس أثره. وأقترح في هذا الإطار ما يلي:

تقرير وطني سنوي عن تطبيق قوانين الأسرة والحماية: يصدر عن جهة مستقلة أو مشتركة، وينشر مؤشرات محددة، منها عدد بلاغات العنف الأسري وأوامر الحماية الصادرة ومدة الفصل في القضايا، وعدد أذونات الزواج دون الثامنة عشرة وأسبابها، وعدد حالات تزويج المحكمة للمرأة عند امتناع الولي. فهذه الأرقام وحدها تكشف إن كانت النصوص الجديدة تعمل فعلًا.

محو الأمية القانونية للمرأة والأسرة: تتضمن برامج مختصرة إلزامية للمقبلين على الزواج تشرح الذمة المالية المستقلة، وحق اللجوء إلى القضاء عند امتناع الولي، وأحكام الحضانة الجديدة، بلغات متعددة تناسب تركيبة المجتمع. ويمكن أن تمتد هذه البرامج إلى الجهات الحكومية عبر ندوات وورش توعوية تستهدف الموظفات والموظفين.

نشر المبادئ القضائية في قضايا الأسرة: يقترح نشر مبادئ المحاكم العليا في مسائل الحضانة والنفقة والضرر والإذن بالزواج، بعد إغفال البيانات الشخصية، لتوحيد الاجتهاد وتقليص التفاوت بين المحاكم.

ضمانات الصلح في قضايا العنف: يشترط فيه أن يكون بموافقة مكتوبة من الضحية بعد إطلاعها على حقوقها، وأن تجري متابعة إلزامية للحالة بعد الصلح مدة محددة، مع سقوط أثر الصلح إذا تكرر الاعتداء.

من الحد الأدنى إلى خط الإمداد في القيادة الاقتصادية: لا يكفي شرط المقعد الواحد في مجالس الإدارة. فالمطلوب برامج وطنية لإعداد المرشحات لعضوية المجالس، وإفصاح سنوي من الشركات المدرجة عن تمثيل المرأة في الإدارة العليا وعن الفجوة في الأجور.

بيئة عمل تراعي الأسرة في القطاع الخاص: حوافز للشركات التي توفر حضانات أو دعمًا لرعاية الأطفال، وتوسيع أنماط العمل المرن والجزئي، لأن الفجوة بين التعليم والعمل لن تُغلق بنص المساواة وحده.

شراكة بحثية مع الجامعات: يمكن إتاحة البيانات المجّهلة للباحثين، وتمويل دراسات تقيس أثر التشريعات بعد ثلاث سنوات من نفاذها، فتُبنى التعديلات اللاحقة على أدلة لا على انطباعات.

وأرى أن هذا النهج يحقق أمرين معًا: يحمي الإنجاز التشريعي من أن يبقى حبرًا على ورق، ويقّدم للعالم صورة مبنية على الأرقام لا على الخطاب، وهي الصورة الأقدر على الإقناع في التقارير الدولية وأمام هيئات الأمم المتحدة.

خاتمة

يخلص هذا العرض إلى أن حقوق المرأة في الإمارات شهدت منذ عام 2019 تحديثًا تشريعيًا شاملًا ومتتابعًا: قانونان للحماية من العنف الأسري في 2019 و 2024، والمساواة في الأجر عن العمل ذي القيمة المتساوية في 2020، وقانون حديث لعلاقات العمل في 2022، وقانون جديد للأحوال الشخصية نافذ منذ أبريل 2025، إلى جانب تمثيل نسائي بنسبة 50% في المجلس الوطني الاتحادي منذ 2019، وإلزام الشركات المساهمة بتمثيل المرأة في مجالس إدارتها.

وعلى المستوى الخليجي، تتقارب الدول في المرجعية وتختلف في سرعة الإصلاح ونطاقه، مع تحولات سعودية واسعة منذ 2017، وتجربة سياسية انتخابية أقدم في الكويت والبحرين. وعلى المستوى العربي، تبقى المشاركة الاقتصادية والتمكين السياسي وقوانين الجنسية أبرز مواطن القصور، رغم التقدم الكبير في التعليم. وعالميًا، لم تحقق أي دولة التكافؤ الكامل، وتظل اتفاقية سيداو ومؤشرات القياس الدولية مرجعًا مشتركًا، وإن تباينت قراءة الدول لبعض موادها.

أما الدرس الأهم، فهو أن قيمة التشريع تُقاس بما يتحقق للمرأة فعلًا لا بما يُكتب في النص. ولذلك فإن المرحلة المقبلة، في الإمارات والمنطقة، هي مرحلة التطبيق والقياس والتوعية. وفي هذه المرحلة يظل الحوار بين الاجتهاد الفقهي المستنير والمعايير الدولية والواقع الاجتماعي هو الطريق الأقدر على إنتاج إصلاح مستقر يحظى بقبول المجتمع.

المراجع

  1. دستور دولة الإمارات العربية المتحدة لعام 1971 — بوابة التشريعات الإماراتية
  2. لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، الملاحظات الختامية على التقرير الدوري الرابع للإمارات، CEDAW/C/ARE/CO/4، 12 يوليو 2022
  3. مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين — البوابة الرسمية لحكومة الإمارات
  4. المرسوم بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2024 بإصدار قانون الأحوال الشخصية — بوابة التشريعات الإماراتية
  5. دخول قانون الأحوال الشخصية حيز التنفيذ، 15 أبريل 2025 — Gulf Today
  6. مقارنة بين قانوني الأحوال الشخصية 2022 و2024 — Legal 500
  7. المرسوم بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2022 في شأن الأحوال الشخصية المدني — وزارة العدل
  8. المرسوم بقانون اتحادي رقم 6 لسنة 2020: الإجازة الوالدية والمساواة في الأجر — DLA Piper
  9. نفاذ قانون المساواة في الأجر، 25 سبتمبر 2020 — Gulf Today
  10. المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 في شأن تنظيم علاقات العمل — بوابة التشريعات الإماراتية
  11. القرار الوزاري رقم 137 لسنة 2024 بشأن تمثيل المرأة في مجالس الشركات المساهمة الخاصة — وكالة أنباء الإمارات
  12. تمثيل المرأة في مجالس إدارة الشركات المدرجة — AGBI
  13. المجلس الوطني الاتحادي — البوابة الرسمية لحكومة الإمارات
  14. المرأة في المجلس الوطني الاتحادي ورئاسته — Gulf News
  15. التوجيه الرئاسي بتمثيل المرأة بنسبة 50% — Gulf News
  16. آلية تطبيق نسبة 50% في انتخابات 2019 — Gulf News
  17. الهيئات الانتخابية لانتخابات 2023 — Gulf News
  18. المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2019 في شأن الحماية من العنف الأسري — بوابة التشريعات الإماراتية
  19. المرسوم بقانون اتحادي رقم 13 لسنة 2024 في شأن الحماية من العنف الأسري — بوابة التشريعات الإماراتية
  20. تواريخ صدور قانون العنف الأسري 2024 ونفاذه وعقوباته — Gulf News
  21. تواريخ انضمام دول الخليج إلى اتفاقية سيداو — Gulf Labour Markets and Migration
  22. السعودية: نظام الأحوال الشخصية يكرّس الولاية الذكورية، 8 مارس 2023 — هيومن رايتس ووتش
  23. محطات إصلاحات المرأة السعودية منذ 2018 — Arab News
  24. فوز أربع كويتيات بمقاعد مجلس الأمة 2009 — Arab News
  25. حل مجلس الأمة الكويتي وتعليق مواد من الدستور، 10 مايو 2024 — The National
  26. الدول الأطراف وغير الأطراف في اتفاقية سيداو — IWRAW Asia Pacific
  27. تقرير الفجوة بين الجنسين 2026 — المنتدى الاقتصادي العالمي
  28. نتائج تقرير الفجوة بين الجنسين 2025 في المنطقة — Hespress
  29. المساواة بين الجنسين في الدول العربية — منظمة العمل الدولية
  30. العمل والتشغيل في المنطقة العربية — البوابة العربية للتنمية
  31. العنف ضد المرأة، صحيفة وقائع، 18 يونيو 2026 — منظمة الصحة العالمية
  32. قراءة في المرسوم بقانون اتحادي رقم 13 لسنة 2024 — Legal 500
  33. الدوائر القضائية المتخصصة والسجل الإلكتروني في قانون العنف الأسري 2024 — Khaleej Times
  34. أشكال العنف الأسري وواجب الإبلاغ في القانون — Gulf News

إخلاء المسؤولية والحقوق القانونية

طبيعة المحتوى: هذا المقال مادة معرفية وتثقيفية عامة، ولا يُعدّ استشارة قانونية أو شرعية أو مهنية. ولا يغني عن الرجوع إلى محاٍم مرّخص أو جهة مختصة عند اتخاذ أي قرار في حالة بعينها.

دقة المعلومات وتاريخها: أُعدّ المقال اعتمادًا على مصادر منشورة ومتاحة حتى أكتوبر 2026، وُبذلت العناية المعقولة للتحقق منها. والتشريعات واللوائح والإحصاءات عرضة للتعديل والإلغاء، فالمرجع المعتمد هو النصوص الرسمية المنشورة في الجريدة الرسمية والبوابات الحكومية المختصة.

حدود المسؤولية: لا يتحمل الكاتب ولا الموقع أي مسؤولية عن أي ضرر مباشر أو غير مباشر ينشأ عن الاعتماد على ما ورد في هذا المقال أو تفسيره أو استخدامه.

الصفة الشخصية للآراء: الآراء والتحليلات الواردة تعّبر عن رأي الكاتب بصفته الشخصية والأكاديمية، ولا تمثل الموقف الرسمي لأي جهة حكومية أو مؤسسة يعمل بها أو يرتبط بها.

الروابط الخارجية: الإحالة إلى مواقع ومصادر خارجية هي لأغراض التوثيق، ولا يتحمل الكاتب مسؤولية محتواها أو تغّيره أو توّفره.

التصحيح: يرّحب الكاتب بأي ملاحظة أو تصويب، وتُراجع الملاحظات وتُعدّل المادة عند الاقتضاء. البريد الإلكتروني: info@salemalnuaimi.ae

حقوق النشر: جميع الحقوق محفوظة للدكتور سالم النعيمي © 2026. يسمح بالاقتباس المحدود لأغراض البحث والتعليم مع الإشارة الواضحة إلى المصدر، ولا يجوز إعادة نشر المقال كاملًا أو بيعه أو تعديله دون إذن كتابي مسبق من الكاتب.